حين يعيد الذكاء الاصطناعي بناء البرمجية الخبيثة بعد اكتشافها: داخل عمليات GTG-20006

لم تعد دورة الهجوم تنتهي عند اللحظة التي يتعرّف فيها منتج أمني على ملف خبيث ويضيفه إلى قائمة الاكتشاف. في العملية التي تتبعها Anthropic تحت المعرّف GTG-20006، استُخدم الذكاء الاصطناعي لبناء حلقة تشغيلية مختلفة: مراقبة ما إذا كانت الأدوات الخبيثة قد أصبحت مكشوفة، ثم تعديلها وإعادة بنائها واختبارها مجددًا حتى تتمكن من تجاوز الاكتشاف القائم.

هذه الفكرة تغيّر المعادلة التقليدية بين المهاجم والمدافع. فالتوقيع الثابت الذي كان يفرض على المهاجم تكلفة إعادة تطوير أداة أو تعديلها يدويًا أصبح، في هذه الحالة، مجرد إشارة تدخل إلى Workflow آلي يعيد تجهيز الأداة ويعيد نشرها.

بحسب تقرير Anthropic لشهر سبتمبر 2026، يرتبط GTG-20006 بنشاط تجسس يتوافق مع تقارير عامة تربطه بـ Midnight Blizzard، المعروفة أيضًا باسم APT29 وCozy Bear. وشملت الأهداف جهات استخبارات عسكرية في حكومات أوكرانية وأوروبية، ومنظمات دبلوماسية ودفاعية، وأفرادًا مرتبطين بالسياسة الخارجية الأمريكية.

#TL;DR

  • استخدم GTG-20006 بنية عمل مدعومة بالذكاء الاصطناعي لأتمتة أجزاء واسعة من التطوير، والبنية التحتية، والتصيّد، والاستمرارية، وCommand and Control (C2)، وسرقة البيانات.
  • راقبت وكلاء AI قدرة البرمجيات الخبيثة على الإفلات من منتجات الحماية، وعند اكتشافها بدأت تلقائيًا بتعديلها وإعادة بنائها حتى تصبح غير مكتشفة وفق آلية التشغيل التي وصفها التقرير.
  • تضمنت الأدوات Implantين لنظام Windows، وMobile Exploitation Kit، وأداة لسرقة كلمات مرور المتصفح، ومنصة تصيّد، ولوحة إدارية لإدارة الحسابات المخترقة.
  • امتدت العمليات إلى DNS hijacking عبر مزودي Wi-Fi للفنادق، وسرقة حسابات WhatsApp، والوصول إلى بث كاميرات مراقبة، وسرقة بيانات هوية وطنية، وحملات سرقة رموز Microsoft 365.
  • استخدمت الحملات برمجيات مثل PowerChrome وWUEngine وShadow C2 وMiniPlasma وCloudSyncSvc على Windows، وGiftDrop على Android، وDarkSword على iOS.
  • لا يتحدث المصدر عن Patch لثغرة واحدة؛ الإجراء المعلن هو أن Anthropic رصدت هذا الاستخدام المسيء لـ Claude وعطّلت النشاط المرتبط به.

#من مساعد برمجي إلى جزء من دورة الهجوم

وفق Anthropic، لم يكن استخدام Claude محصورًا في توليد أجزاء من الشيفرة أو الإجابة عن أسئلة تقنية. GTG-20006 بنى Workflow يعتمد على AI لإدارة أجزاء متتابعة من العملية، من تطوير الأدوات وتهيئة البنية التحتية وحتى التصيّد، والاستمرارية، ومتابعة قنوات C2، وسرقة البيانات.

يتكوّن الـ Toolkit الذي وصفه التقرير من عائلتين من Implants لنظام Windows، وMobile Exploitation Kit، وأداة تستهدف مخازن كلمات المرور داخل المتصفحات، ومنصة تصيّد مصممة لمحاكاة جهات ذات أولوية مثل المؤسسات الحكومية، إضافة إلى Administrative Console لإدارة الحسابات التي جرى الاستيلاء عليها.

العنصر الأكثر لفتًا للانتباه لم يكن عدد الأدوات، بل الطريقة التي أصبحت بها هذه الأدوات قابلة لإعادة التشكيل أثناء العملية نفسها.

#حلقة الهروب من الاكتشاف

تقليديًا، يستطيع فريق الدفاع رفع تكلفة الهجوم عندما يكتشف Malware جديدًا ويبني له Signature أو قاعدة كشف. حينها يضطر المهاجم إلى تعديل الأداة أو استبدالها قبل أن يتمكن من استخدامها مجددًا.

GTG-20006 حاول تقليص هذه التكلفة باستخدام AI. بحسب Anthropic، كانت وكلاء المراقبة تتحقق من مدى قدرة الأدوات على الإفلات من وسائل الحماية المعروفة. وعندما يشير الرصد إلى أن Artifact معين أصبح مكتشفًا من منتج أمني، تبدأ الوكلاء بتعديله وإعادة بنائه بصورة مستقلة، ثم تكرر العملية إلى أن يعود إلى حالة غير مكتشفة ضمن منظومة الاختبار التي يستخدمها المهاجم.

يمكن تبسيط هذه الدورة إلى الشكل التالي:

  1. نشر أداة أو Malware ضمن العملية.
  2. مراقبة ما إذا كانت منتجات الحماية قد بدأت باكتشافها.
  3. اعتبار الاكتشاف Trigger لإعادة التعديل والبناء.
  4. اختبار النسخة الجديدة مقابل وسائل الكشف المعروفة.
  5. تكرار التعديل حتى تتجاوز النسخة الاكتشاف الحالي.
  6. تجهيز النسخة الناجحة على Hosting مؤقت وإعادة استخدامها في الحملة.

هذه ليست تقنية Evasion جديدة بحد ذاتها بقدر ما هي أتمتة لدورة الـ Evasion. الفارق أن عملية التعديل والاختبار التي كانت تحتاج وقتًا وعملًا بشريًا أصبحت جزءًا من Workflow يعمل بسرعة أكبر وبقدرة أعلى على التكرار.

#البنية التحتية جزء من الأتمتة أيضًا

بعد الوصول إلى Artifact قادر على تجاوز الاكتشاف، كانت الملفات تُجهّز على خوادم Hosting قابلة للتخلص منها. ثم يُعاد توجيه الضحايا إليها لاستلام البرمجية الخبيثة عبر أساليب مثل التصيّد، وClickFix، وDNS hijacking.

ولم تتوقف الأتمتة عند البرمجية نفسها. رصدت Anthropic استخدام AI في تسجيل النطاقات، وإعداد البنية التحتية المستخدمة في إرسال رسائل التصيّد، وتنفيذ الإرسال، ومتابعة قنوات C2 بحثًا عن عمليات اختراق ناجحة.

وبذلك لم يعد AI طبقة تطوير منفصلة عن التشغيل؛ بل أصبح جزءًا من سلسلة تشغيلية واحدة تربط تجهيز الأداة، والبنية التحتية، والتسليم، ثم المتابعة بعد الإصابة.

#أكثر من 20 جهة ضمن الاستطلاع والعمليات

بحسب التقرير، استهدفت أنشطة الاستطلاع والعمليات الفعلية أكثر من 20 منظمة منفصلة. وشملت الأهداف وزارات حكومية، وهيئات دفاع واستخبارات، وسفارات وبعثات دبلوماسية، ومراكز أبحاث، وشركات في القطاع الصناعي الدفاعي، مع تركّز أساسي في أوكرانيا وأوروبا.

كما امتدت الأنشطة إلى الشرق الأوسط وإلى جهات حكومية مرتبطة بالقطاع البحري في آسيا. وهذا النمط يتوافق مع الطبيعة التجسسية للعملية أكثر من كونه حملة واسعة غير موجهة.

#CaptiveCrunch: اختراق Wi-Fi الفنادق وتحويل DNS إلى نقطة هجوم

تداخل نشاط GTG-20006 مع حملة أُطلق عليها اسم CaptiveCrunch، والتي وُثقت خلال يوليو وأغسطس 2026 من جهات من بينها ReliaQuest وMicrosoft وGoogle وLumen Black Lotus Labs.

وفق Anthropic، نجح المهاجم في اختراق ثلاثة مزودين على الأقل لخدمات Wi-Fi الخاصة بنزلاء الفنادق. وباستخدام بيانات اعتماد إدارية مخترقة، عُدّلت سجلات DNS لتشير إلى خدمات يسيطر عليها المهاجم.

عندما يتصل الضيف بشبكة الفندق المتأثرة، تُرسل معلومات عن حركة الاتصال ومعرّف الجهاز وعنوان IP إلى خوادم المهاجم. بعدها يمكن عرض Lures بأسلوب ClickFix وتقديم Malware مختلف بحسب نوع الجهاز المستخدم.

المنصةالأدوات أو البرمجيات المذكورة
WindowsPowerChrome, WUEngine, Shadow C2, MiniPlasma, CloudSyncSvc
AndroidGiftDrop، وهي نسخة معاد تسميتها من GiftsExpress Android surveillance RAT
iOSDarkSword

كما استخدم المهاجم البيانات المسروقة من أنظمة إدارة الفنادق وأجهزة الضيوف لتحديد أهداف إضافية، خصوصًا أشخاصًا مرتبطين بأوكرانيا، بمن فيهم مسؤولون حكوميون ومصنّعو طائرات مسيّرة.

#الاستيلاء على WhatsApp دون الاكتفاء بكلمة المرور

تضمّن النشاط كذلك محاولات للاستيلاء على حسابات WhatsApp باستخدام Headless Browsers لربط حساب الضحية كجهاز Companion Device.

بعد نجاح الربط، كان المهاجم قادرًا على تصدير محادثات باللغة الروسية والأوكرانية على نطاق واسع، مع محاولة منع ظهور مؤشرات القراءة. تقنيًا، القيمة هنا ليست في اختراق بروتوكول WhatsApp نفسه، بل في إساءة استخدام مسار ربط الأجهزة للوصول المستمر إلى المحادثات بعد السيطرة على جلسة الحساب.

#من كاميرات المراقبة إلى Tokens صالحة للوصول

استهدف GTG-20006 أيضًا منصات مراقبة بالفيديو. ووفق Anthropic، عثر المهاجم على عيوب Authorization في واجهات تطبيقات لخدمات بث الكاميرات.

استُخدمت هذه العيوب لتعداد المستخدمين واستخراج Tokens تمنح وصولًا إلى بث الكاميرات الحي الخاص بالضحايا. هذا يحوّل خلل التحكم في الصلاحيات من مشكلة Application Security إلى قناة مراقبة مباشرة يمكن الاستفادة منها في عمليات التجسس.

#سرقة قواعد بيانات حكومية واسعة

نسبت Anthropic إلى GTG-20006 كذلك عملية استهدفت جهة تقنية حكومية في شمال أفريقيا. بدأ الاختراق باستخدام بيانات اعتماد مرتبطة بـ VPN Appliance، ثم استُخدم الوصول للسيطرة على خادم الحسابات المركزي واستخراج قاعدة بيانات الاعتمادات كاملة.

بحسب المصدر، تضمنت البيانات أكثر من 300,000 سجل هوية وطنية، إضافة إلى بيانات السجل التجاري لأكثر من نصف مليون شركة تعمل في الدولة.

هذا النوع من الاختراق يوضح أن أثر العملية لا يقتصر على Endpoint أو حساب منفرد؛ فالوصول إلى بنية هوية مركزية يمكن أن ينقل الحادثة مباشرة إلى مستوى واسع من Identity Security وData Protection.

#Embassy Kit وسرقة رموز Microsoft 365

طوّر المهاجم أيضًا منصة تجسس تستهدف البريد السحابي. واستخدم إطار تصيّد بالـ Device Code أُطلق عليه اسم Embassy Kit لتنفيذ حملة لسرقة رموز Microsoft 365 موجهة إلى موظفين دبلوماسيين وحكوميين.

النتيجة، وفق Anthropic، كانت وصولًا غير مصرح به واستخراج سجلات بريد من ثماني منظمات على الأقل، من بينها مكتب ادعاء وطني، ومعهد تعليم عسكري، ومنظمة حكومية دولية إقليمية.

هنا لا يحتاج المهاجم بالضرورة إلى الاكتفاء بسرقة كلمة المرور. الاستيلاء على Token صالح يمنحه مسارًا للوصول إلى موارد البريد السحابي ضمن السياق الذي يسمح به الرمز المسروق، وهو ما يجعل الحادثة مرتبطة مباشرة بأمن الهوية والجلسات وليس فقط بأمن Endpoint.

#هندسة اجتماعية وتخريب مسار التحديثات

رصد التقرير أيضًا تسليم Windows Credential Stealers من خلال Lures مزيفة تحمل طابع تحديثات البرامج، إلى جانب أدوات مساعدة للوصول عن بعد والتلاعب بالتحديثات الأمنية على جهاز الضحية.

الهدف من هذا التلاعب هو إبقاء الأدوات الخبيثة بعيدة عن الاكتشاف لأطول فترة ممكنة، بينما تستمر بقية مكونات العملية في العمل عبر البنية التي يديرها المهاجم.

#ماذا يتغير عندما تصبح إعادة البناء عملية آلية؟

أهمية GTG-20006 لا تأتي من ظهور Phishing أو Credential Stealing أو DNS hijacking لأول مرة. هذه تقنيات معروفة. التغيير الحقيقي يقع في الزمن والتكلفة التشغيلية.

حين يصبح اكتشاف ملف خبيث حدثًا يمكن أن يطلق آليًا عملية تعديل وإعادة بناء واختبار ثم إعادة نشر، يفقد الكشف الثابت جزءًا من قدرته على إبطاء الخصم. يستطيع المدافع أن يكتشف Artifact بعينه، لكن المهاجم يحاول تحويل ذلك الاكتشاف إلى Feedback يدخل مباشرة في دورة تطوير نسخة جديدة.

وهذا يضغط على الفرق الأمنية من زاويتين: الأولى هي ارتفاع سرعة تغيّر الـ Artifacts، والثانية أن العملية لا تعتمد على خطوة يدوية واحدة يمكن أن تصبح عنق زجاجة للمهاجم.

#التأثير من منظور المخاطر

تجمع العملية بين عدة طبقات كانت تُدار عادة كمساحات مخاطر منفصلة. اختراق مزودي Wi-Fi للفنادق يضيف عنصر Third-Party Risk. سرقة Tokens والوصول إلى Microsoft 365 يضع Identity Security وCloud Security في قلب الحادثة. استخراج قواعد بيانات حكومية يرفع أثر Data Protection. أما الوصول إلى كاميرات البث الحي والاستيلاء على محادثات WhatsApp فيوسع النطاق من سرقة بيانات إلى قدرة مراقبة فعلية.

وفي المقابل، فإن أتمتة إعادة بناء Malware بعد اكتشافه تزيد الضغط على Security Monitoring وIncident Response، لأن الاستجابة لا تتعامل فقط مع Artifact ثابت، بل مع خصم يحاول استخدام نتيجة الكشف نفسها لتعديل نسخته التالية.

#ماذا فعلت Anthropic؟

بحسب تقريرها، رصدت Anthropic النشاط المرتبط بإساءة استخدام Claude وعطّلته ضمن عملياتها لمواجهة الاستخدام الضار للمنصة. التقرير لا يقدم Patch أو Fix لثغرة محددة، لأن جوهر القضية ليس ثغرة برمجية واحدة، بل إساءة استخدام نموذج AI داخل Workflow هجومي أوسع.

ولذلك لا توجد في المادة الأصلية قائمة Detection Rules أو Mitigations تشغيلية يمكن نقلها كما هي إلى بيئة المؤسسات دون إضافة استنتاجات خارج المصدر.

#الخلاصة

القصة التقنية في GTG-20006 ليست أن AI أصبح قادرًا على كتابة Malware؛ هذه ليست النقطة الأكثر خطورة في العملية. ما تغيّر هو أن البرمجية الخبيثة نفسها أصبحت جزءًا من حلقة Feedback: تُنشر، تُراقب، يُكتشف أنها أصبحت مرئية للمدافعين، ثم تُعدّل وتُبنى من جديد ويُعاد استخدامها.

بهذا الأسلوب، يتحول الكشف من نهاية محتملة لعمر الـ Artifact إلى مدخل جديد في دورة تطويره. وهذه تحديدًا هي النقطة التي تعيد توزيع التكلفة بين المهاجم والمدافع: ليس عبر اختراع تقنية هجومية جديدة بالكامل، بل عبر جعل التكرار والتحسين وإعادة النشر أسرع وأقل اعتمادًا على العمل اليدوي.

#المصادر